القائمة الرئيسية

الصفحات

نكشف بالتفاصيل.. مافيا سرية لتجارة الأدوية الناقصة في السوق السوداء



تشعر الحاجة أحلام بدوخة ورعشة، وألام شديدة في قدميها، بسبب اختفاء العقار الطبي، الذي تتناوله منذ 20 عاماً، لعلاج مرض التهاب الأعصاب، وهو ما يجعلها تذهب للمستشفي، بين الحين والآخر، بحثاً عن وسيلة لتخفيف آلامها.
اسمها أحلام محمود، سيدة ستينية، تتحرك بخطوات بطيئة، وتتحدث بصعوبة، وتعاني من أمراض الضغط والسكر والتهاب الأعصاب، وقائمة طويلة من الأمراض، التي نهشت جسدها منذ 20 عاماً، وكانت تتعايش معها، بفضل العقاقير الطبية.
ولكن بعد اختفاء بعض أنواع الدواء، اللازم لعلاج حالتها، أصبحت تعاني من آلام شديدة، بصفة مستمرة، وتحولت لعبء علي أولادها، الذين باتوا ليلاً نهاراً، يبحثون عن الأدوية في الصيدليات، ويضطرون في أغلب الأحيان، لشرائه من "السوق السوداء"، التي ازدهرت بسبب اختفاء، بعض أنواع الدواء، التي تعالج أمراضاً مزمنة وخطرة.
ما تعاني منه الحاجة أحلام، يعاني منه آلاف المرضى، بسبب اختفاء بعض العقاقير الطبية من السوق، بعد توقف شركات الدواء عن الانتاج، لارتفاع أسعار المواد الخام، وهو ما ترك المجال، أمام تجار السوق السوداء، للمتاجرة بآلام المرضي.
"الموجز" خاضت رحلة البحث، عن بعض الأدوية الناقصة في الصيدليات، لعلاج بعض الأمراض المزمنة والخطيرة، وكشف هذا التحقيق، عن سوق سوداء موازية للسوق الرسمية تتاجر بآلام المرضي، ويديرها تجار لا علاقة لهم بمهنة الطب أو الصيدلة، حيث عرضوا هذا الأدوية في أماكن غير مخصصة لبيع الدواء، ونشروا إعلاناتهم علي مواقع التواصل الاجتماعي.

رحلة البحث
بدأت رحلة البحث من بعض المستشفيات، لرصد آلام المرضي، بسبب نقص الأدوية، حيث جلست الحاجة "أحلام"، في انتظار تلقي العلاج تقول:"كنت أتعايش مع الأمراض التي أصابتني، علي مدار 20 عاماً، ولكن منذ ما يقرب من 6 أشهر اختفت بعض العقاقير والأدوية الهامة من الصيدليات، وأضطر لشرائها من السوق السوداء، بأضعاف أضعاف سعرها".
تعاني السيدة الستينة من أمراضاً مزمنة وخطرة، مثل القلب والسكر والضغط، وكلها أمراض من الممكن أن تودي بحياتها في أي لحظة، في حال عدم توافرها، وهو ما جعلها تحضر لمستشفي الهدايا الإسلامية، بمنطقة الحلمية الجديدة، بوسط القاهرة، لمتابعة العلاج وبحثا عن دواء بديل، في صيدلية المستشفي، أو لدي الأطباء، في حين يبذل أولادها، جهوداً كبيرة، بحثاً عن الدواء في الصيدليات، وفي أغلب الأحيان يضطرون لشرائه من السوق السوداء، بأضعاف السعر المدون عليه، لتخفيف الآلام التي تشعر بها والداتهم.
حال أحمد قاسم، الشاب العشريني، الذي حضر للمستشفي " الهدايا"، بحثا عن دواء، لما يعانيه من مرض الرماتيزم بالقلب، لا يختلف كثيراً عن حال السيدة أحلام يقول: "بحكم عملي أسافر لمحافظات كثيرة، واقضي معظم وقتي في البحث عن الدواء، ولكن دون جدوي، الأزمة عامة وفي كل أنحاء الجمهورية، وأضطر في النهاية لشراء الدواء من السوق السوداء أو البدائل المهربة من الخارج".
يعمل قاسم الشاب العشريني، مندوباً لإحدى الشركات، بطبيعة عمله يجوب معظم محافظات مصر، بداية من مسقط رأسه في محافظة قنا، وحتي مدن القناة بورسعيد والسويس، وشمالاً الإسكندرية ومرسي مطروح، وطبقا لشهادته التي سجلتها "الموجز"، فإن بعض الأدوية الهامة اختفت من الصدليات، وتباع في السوق السوداء.
يحمل قاسم قائمة من الروشتات الطبية، التي تحمل قائمة طويلة من أسماء الأدوية، الناقصة في السوق، مثل(بيكوزيم- فيدروب- اكسيبرال- ميكوستاتين- بنستارد)، وغيرها من أنواع الأدوية، التي اختفت من السوق بشكل مفاجئ، تخص عدد من أقاربه بالصعيد، وطلبوا منه إحضارها لهم من القاهرة.
تقول الدكتورة أماني السيد، أخصائي القلب والباطنة، بمستشفي الهدايا:" يوجد عدد كبير من الأدوية، التي اختفت بشكل مفاجيء من السوق، وتعالج أمراضاً مزمنة وخطرة، مثل القلب والسكر والضغط والعيون، ونضطر لكتابة الدواء للمريض، من باب أننا نقوم بعملنا كأطباء، ونعمل ما بوسعنا لتخفيف ألام المرض، علي أمل أن يجد المريض العلاج".
ما قالته الطبية، كشف عن حجم المأساة التي يعاني منها المرضي، بسبب نقص العلاج، ومضاربة تجار السوق السوداء، والمضاربة علي العلاج، الذين جمعوه من السوق، أو يحصلون عليه بشكل غير شرعي.

مرضي يتألمون
"المرضي يتألمون ويطالبون بتوفير العلاج"، بهذه الجملة المختصرة، بدأ الدكتور أيمن حسن حديثه، عن ما يعانيه المرض، وما يعانيه هو شخصياً، بسبب إلحاح المرضي وذويهم، ومطالبتهم بتوفير العلاج.
يمتلك الدكتور أيمن صيدلية، بمنطقة سوق السلاح، التابعة لحي الدرب الأحمر بوسط القاهرة، يقول: "هناك أدوية كثيرة ناقصة في السوق، مثل البنسلين وبدائله، وهو دواء ممتد المفعول، وغير متواجد في شركات الدواء تماماً، يحتاج منه مريض الروماتيزم حقنة كل شهر، ونقصه يتسبب في ألام شديدة للمريض ومضاعفات خطيرة".
ويضيف الصيدلي:" ليس البنسلين فقط، الذي اختفي بشكل مفاجئ من السوق، ولكن يوجد عدد كبير من العقاقير الطبية اختفت، ولا تتوافر بدائلها، المرضي يحضرون إلينا ويطالبوننا بتوفير العلاج، ونقف أمامهم عاجزين".
وأكد الصيدلي، أنه يعاني بشدة مع المرضي، الذين يحضرون للصيدلية وهم يتألمون من شدة ألامهم، وتدهور حالتهم الصحية، ويطالبونه بتوفير العلاج، ويلمونه علي ارتفاع أسعار الأدوية، وعدم توافرها في الأسواق.

وفي نهاية حديثه، طالب الصيدلي، وزارة الصحة بالتدخل لحل الأزمة، بعد أن تحول الدواء والمريض المصري، لسلعة بالنسبة لشركات الأدوية.

الصيدليات الكبري
للتأكد من أنواع الأدوية الناقصة من السوق تواصلت "الموجز" مع إحدى مجموعات سلسلة الصيدليات الكبري "س" عن طريق "واتس آب" في رسالة مكتوبة حيث أكدت المسؤولة بالصيدلة، والمكلفة بالرد علي العملاء، نقص أدوية تعالج أمراضاً خطيرة، مثل "بيكوزيم" وهو عقار يعالج التهاب الأعصاب، وعقار "بنستارد" الذي يعالج الروماتيزم بكل أنواعه، وعقار "فيدروب" الذي يعالج هشاشة العظام، وعقار "توبردكس" لعلاج العيون، هذا بالإضافة لقائمة طويلة من الأدوية الناقصة بسلسلة الصيدليات الشهيرة.
وبسؤال سلسلة صيدليات "د. ع"، من خلال "فيس بوك"، أكد نقص نفس قائمة العلاج، وأن هذا الأدوية تظهر وتختفي بشكل مفاجئ، ولا يستطع أحد التنبؤ بموعد وجودها من عدمه، في توقيت محدد.
لم تكتف كاتبة التحقيق، بسؤال سلسلة الصيدليات الكبري، عن الأدوية الناقصة في السوق، وتوثيق هذا الاتصال والاحتفاظ به، بل سألت 4 صيدليات أخري بمناطق متفرقة، وأجزم الجميع عدم تواجد هذه الأدوية، في الصيدليات أو فروعها.

السوق السوداء
في الوقت الذي أثبت فيه بحث ، نقص أنواع أدوية تعالج أمرضاً خطيرة، من الصيدليات والسوق الرسمي، وشركات الدواء الكبري، كشف البحث عرض هذه الأدوية، بأضعاف سعرها، علي مواقع التواصل الاجتماعي، وهذا ما وثقه هذا التحقيق.
علي إحدي الصفحات المخصصة للصيادلة، بموقع التواصل الاحتماعي "فيس بوك"، عرض عدد من الأشخاص، مجموعة من الأدوية التي رصد التحقيق نقصها من الأسواق، مثل " بنستارد" الذي يعالج الروماتيزم، مصحوبة بصورة كميات من الدواء.
عندما تحدثت كاتبة التحقيق، لصاحب الحساب علي الخاص، قال البائع ويدعي "علي علاء" في محادثة موثقة، علي "الفيس بوك"، أن لديه كميات كبيرة من الدواء، ومستعد لتوفير أي كميات، بشرط الحصول علي أعلي سعر حدده، وهو 100 جنيها للعبوة الواحدة، في حين أن ثمن عبوة الدواء المدون عليها 9 جنيهات فقط!!؟؟
لم تكتفي كاتبة التحقيق، بالتحدث مع بائع واحد في السوق السوداء للدواء، لرصد انتشار ظاهرة، الاتجار بالدواء الناقص في السوق السوداء، بل تحدثت لأكثر من بائع للأدوية التي اختفت من السوق، منهم حساب باسم " أبو حمزة".
الغريب أن صاحب الحساب، أكد خلال حديثه الموثق علي "فيس بوك"، أنه تاجر لمبات جملة وأدوات كهربائية، لا علاقة له بالطب أو الدواء، من قريب أو بعيد، وتحصل علي هذه الأدوية، من خلال أحد الصيدليات، ومندوبي "تلي سيلز"، العاملين لدي شركات الدواء.
وكشف أيضاً أنه بعد ارتفاع أسعار المواد الخام، يضطر مندوبو البيع في بعض الشركات، لبيع الدواء لمن يدفع أكثر في السوق السوداء، وبهذا لا تتحمل الشركة مسئولية، بيع الدواء خارج الصيدليات، وفي ذات الوقت تتحصل علي أعلي عائد للبيع، لتغطية تكاليف الإنتاج، التي ارتفعت بسبب زيادة الدولار، وتكلفة استيراد المواد الفعالة.
رصد التحقيق، عدد كبير من الإعلانات، وتواصل مع تجار في السوق السوداء، عرضوا منتجاتهم، علي مواقع التواصل الاجتماعي، بأضعف أسعار الدواء الأصلية المدونة عليها، والمعتمدة من وزارة الصحة.
رفع الأسعار
بدوره قال الدكتورحسام حريره، الأمين العام لصندوق نقابة الصيادلة، إن ظاهرة نقص الدواء، وبيعه في السوق السوداء، تستخدمها بعض الشركات، للضغط علي الدولة، بهدف استخراج تسعيرة جديدة للدواء، مشيراً إلي أن الحل بسيط، ويتمثل في أن تصدر وزارة الصحة قراراً بتداول الدواء بالاسم العلمي وليس التجاري.
وأضاف أبو حريرة، في تصريحات لـ "الموجز"، أن نقابة الصيادلة طالبت الوزير أكثر من مرة بذلك، وذلك لغل يد هذه الشركات، ومنع بيزنس الدواء، بين العيادات والشركات، التي تستغل الاسم التجاري للدواء، والذي يدفع ثمن ذلك المريض.

وأكد أن تجارة الدواء في السوق السوداء، هي ظاهرة مثل ظاهرة التلاعب بالدولار، ومن الممكن أن نطلق عليها اسم "التلاعب بالدواء"، والصيدليات ليس لها دخل في هذه القضية، ولكن هذه مافيا خارج المنظومة، هدفها صناعة أزمة الدواء في مصر.
وطالب أبو حريرة، وزير الصحة، بتحرير صرف ا لدواء، عن طريق إلزام الأطباء بكتابة الأسم العلمي، وليس الاسم التجاري، مؤكداً أنه في حال تطبيق ذلك، ستختفي مافيا الدواء، كما اختفت مافيا الدولار، مشيراً إلي أن الاسم العلمي، مطبق في صيدليات القوات المسلحة.